السيد محمد حسين فضل الله
15
من وحي القرآن
بعده لا يفكر بالجانب الذاتي في شخصه باعتبار أن إخلاصه للنبوة أو للعلم يؤدي به إلى أن يطلب إرسال ابنه نبيا من بعده أو لتهيئة عالم ، تماما كما هو مفاد الحديث الشريف : « العلماء ورثة الأنبياء » « 1 » مما يوحي بأن القضية ليست قضية شخصية فيهم ، بل هي مسألة امتداد العلم الذي بلغوه . أما احتمال أن يكون زكريا قد طلب من ربه امتداد النبوة أو العلم في عقبه ، فإن سياق الآيات لا ينسجم معه ، لأن الفكرة قد انطلقت من رؤيته مريم في صلاحها وعبادتها وتقواها ، الأمر الذي جعله يفكر بالولد الصالح الطيب الذي عبّر عنه بالذرية الطيبة ، أو الرضيّ ، إذ لا معنى للحديث عن صفة الرضيّ إذا كان المطلوب في الكلمة السابقة وَلِيًّا النبي أو العالم ، لأن مسألة الرضيّ هي مسألة تختزنها الصفتان ، فلا معنى لاعتبارها طلبا آخر . ومما يؤيد هذه الملاحظة في إرادة الوارث المالي من حيث هو كناية عن الولد ، أن هذه الآية وردت في احتجاج السيدة فاطمة الزهراء عليها السّلام على أبي بكر عندما منعها إرثها في فدك على أساس « أن الأنبياء لا يورثون » وذلك في ما ذكره صاحب الاحتجاج ، قال : روى عبد اللّه بن الحسن بإسناده عن آبائه عليهم السلام أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك وبلغها ذلك جاءت إليه وقالت له : « يا ابن أبي قحافة ، أفي كتاب اللّه أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا . أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ، وقال : في ما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 2 » . وجاء في الميزان نقلا عن الدر المنثور عن الفاريابي عن ابن عباس قال : « كان زكريا لا يولد ، فسأل ربه فقال : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ قال : يرثني مالي ،
--> ( 1 ) الكليني ، الكافي ، ج : 1 ، ص : 32 ، رواية : 2 . ( 2 ) نقلا عن : الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه - 1991 م ، ج : 14 ، ص : 22 .